في زمنٍ أصبحت فيه السعادة تُقاس بوزن المظاهر، والذكاء تهمةً تُحاكم عليها محاكم العقول الفارغة،
وفي كوكبٍ أرضي مُصغر يُدعى "المدرسة"، تقف إحدى الصغيرات وقد ارتدت عباءةَ معلمةٍ لم تبلغ الحلم بعد، لتوزع صكوك الوصاية على القلوب. إنها ابنة "التربية الحديثة جداً"، تلك التربية التي ألغت الخشونة الضرورية لصقل المعادن، فأنبتت أجيالاً تعتقد أن حرية التعبير تنتهي حيث يبدأ اختلافهم، وأن التفوق والمنصب هما رداءان يمكن استعارتهما لإخفاء عري الروح.
تلك الطفلة التي جاءت لتُملي على صديقتها قوانين النفي والاستبعاد، لم تكن سوى صدىً خاوي لبيئة منزلية تخلط بين "الفروسية" و"التعالي"، بين "الوعي الحقيقي" وبين "البرجوازية المزعومة". إنها تظن، في سذاجتها الطفولية، أن المواقع التي تُعرفها المدرسة، والسطور التي تُراقبها عيون الرقباء، هي عرشٌ تستطيع من علوه أن تصنف البشر إلى طبقات. نسيت تلك المسكينة، ومعها أولئك المربين الذين منحوها هذا الوهم، أن الأشجار العالية وحدها هي التي تقذفها الحجارة، وأن العقول الكبيرة لا تُقاس بعدد الحروف المكتوبة في سجلات المراقبة، بل باتساع الأفق الذي يضيق عن استيعابه صغار النفوس.
حين تبكي ابنتي هي، لا تبكي لأنها ضعيفة، بل لأن طفولتها الطاهرة اصطدمت للمرة الأولى بقاعِ بئرٍ تافهٍ مليء بالضفادع التي تنعق بأنها سادة الماء. التربية الحديثة المفرطة في التدليل، التي تُقنع الطفل أنه مركز الكون، وأن آراءه أوامر، وأن من يخالفه "مُشكلة يجب تجنبها"، هي التي أنتجت هذا المسخ الفكري: طفلة تملك لسان حكيم وجاهلٍ معاً، تظن أن الإقصاء ذكاء، وأن التكبر هيبة.
ولكن، لتعلم تلك الصغيرة، وليعلم من خلفها، أن العائلات الحقيقية لا تهزها رياح النميمة المدرسية، وأن من يمتلك نور الفكر وعمق النفس، لا يلتفت إلى ظلال النمل وهي تحاول عبثاً حجب الشمس.
حين تُصاب المدرسة بلوثة المظاهر، وتحول الفصول من محاضن لتهذيب الروح إلى أسواقٍ رخيصة لتبادل التسميات والتصنيفات، فإننا لا نكون أمام أطفالٍ يلعبون، بل أمام مسرحية تراجيدية مصغرة تُدار بخيوطٍ خفية من بيوتٍ هشة. تلك الفتاه التي أُصيبت بمرض "التفرقة" لم تختر هذا الدهاء العبثي بمحض إرادتها؛ بل تلقت درسها الأول على مائدة الغداء المنزلية، حيث يُقاس البشر بما يملكون لا بما يكونون. هناك، حيث تتربى الطفولة على أن المناصب والشهادات وواجهات العائلات هي "صكوك الغفران الاجتماعي"، نشأت تلك الصغيرة لتظن أن بإمكانها أن تعزل الشمس بغربال حقدها، وأن تقرر من يستحق الحديث ومن يجب اجتنابه.
إنها لا تستهدف ابنتي لذاتها، بل تستهدف "الضوء" الذي تعجز عيناها المظلمتان عن تحمله. فالذكاء الفطري والعمق الإنساني والبيئة المزهرة بالأدب والفكر، تشكل تهديداً صارخاً لكيانٍ هشٍ لا يرتكز إلا على القشور. وحين تعود الطفلة لتبلغ صديقتها بأن "عائلة فلانة تسبب مشاكل"، فإنها في الحقيقة تترجم خوفاً عميقاً من أن تفقد زعامتها الوهمية داخل قاعة الدراسة أمام عقلٍ راجح لا يعترف بممالك الورق والزجاج.
وهنا يتساءل العقل الناقد: أين الخلل؟ هل هي الطفلة وحدها، أم أن النظام التربوي المعاصر بات يُفرخ طغاةً صغاراً باسم "الحرية النفسية وتنمية الشخصية"؟
لقد أرادت التربية الحديثة أن تنقذ الطفل من كبت الماضي، فأنشأت جيلاً يظن أن رأيه قانونٌ ملزم، وأن مشاعره ورغباته مقدسة، حتى وإن كانت قائمة على التنمر، الإقصاء، والجهل المطبق. حين يُمنح الطفل الحق في كل شيء دون أن يُلقن درساً حقيقياً في "التواضع الإنساني"، وحين يُلقن في بيته أنه "الاستثناء الوحيد" في هذا الكون، فإنه سيخرج إلى العالم الخارجي ليتصرف كإمبراطورٍ مفرغ من المضمون.
إنهم يربونهم على لغة الأنا المتضخمة، وينسون أن أهم درس في مدرسة الحياة هو "احترام المختلف". التربية التي لا تكسر حدة التعالي في نفوس أبنائها، هي تربية تصنع قنابل موقوتة من الغرور، أطفالاً يعتقدون أن المناصب والمكتسبات المادية تمنحهم حق محاكمة الآخرين والحط من قدرهم. وما مراقبة المواقع وحفظ الأسماء وسجلات التدوين إلا عرضٌ جانبي لمرض أعمق: مرض التلصص على حياة الناجحين لأنهم عاجزون عن مجاراتهم في النقاء أو العطاء.
إن العالم اليوم يعاني من أزمة "تضخم الأنا الهشة"، حيث يُربى الأبناء على أن يطالبوا بحقوقهم كاملة دون أن يؤدوا واجباً واحداً نحو احترام الآخرين. وحين تتقاطع مسارات هذه النماذج المصنوعة بعناية الزيف مع الأطفال الأقوياء بطبيعتهم، أطفال البيئات التي تعبقت بالثقافة والتربية الأصيلة، يحدث الاحتكاك الحتمي. إنهم يخشون العظمة الهادئة؛ لأن العظمة الصاخبة التي تدربوا عليها في منازلهم لا تستطيع صمود دقيقة واحدة أمام رصانة الحجة وسلامة الروح.
إلى تلك الصغيرة التي غرّها صدى صوتها الخاوي، وإلى المدرسة التي تفتح عينيها ولا تبصر، وإلى كل بيت يظن أن السيطرة والتعالي هما عنوان الوجاهة: اعلموا أن الأرواح العالية لا تلوثها أتربة الطرقات.
وابنتي التي غرس دمعها في قلبي خيمياء الصبر والقوة، لتعلمي يا قرة العين أن من يحاربكِ اليوم إنما يعلن عجزه عن الوقوف في نفس الارتفاع الذي تلامسينه بفطرتك وسموك. دعي الصغار يتحدثون، ودعي حانات النميمة تفتح دفاترها المزيفة؛ فالأشجار المثمرة وحدها هي التي تنهال عليها الحجارة، والنور الحقيقي لا تهزه عاصفة من الظلال العابرة.
نحن لا ننتقم بالقيل والقال، نحن نرد بالطريقة الوحيدة التي يليق بالأدب أن يرد بها: أن نبقى أعلى، أن نكون أطهر، وأن نظل نكتب، نبتكر، ونزهر.. تماماً كما تفعل الأرض حين يُلقى في جوفها الحجر، فلا ترد سوى أطيب الثمر.
وحين نتأمل جذور الأصالة، ونتتبع أثر البيوت التي كانت تفيض بالسكينة قبل أن تغرق في زحام المظاهر، تعود بنا الذاكرة إلى ذلك الركن الدافئ حيث كانت تجلس جدتي -رحمها الله-، وحين كان الزمن يتباطأ احتراماً لهيبتها وحكمتها. وسط ذلك السكون الجميل، وحين كانت إذاعة القرآن الكريم من مكة المكرمة تملأ البيت بأمواج الطمأنينة والتلاوة الندية، كانت تزرع في أرواحنا معنى "الصبر الجميل" لا بالدرس النظري، بل بملامح وجهها المطمئن، وبرضاها الذي لم تكن تزعزعه عواصف الحياة.
كانت تضع يدها الحانية على الرأس، وتلقي بتلك الحكمة الخالدة التي أصبحت منارةً لنا في وجه كل إحباط وتنمر: "يا بنتي.. لا تنظر للهالك كيف هلك، وانظر للناجي كيف نجى". جملة واحدة كانت كفيلة بأن تعيد توجيه بوصلة الروح، وتبعدنا عن مستنقع التفتيش في عيوب الآخرين، أو الالتفات إلى أصوات الصغار والعابثين بالظل. علمتنا أن الناجي هو من يتمسك بنوره، وأن الهالك هو من يستهلك عمره في مراقبة غيره والتقليل منهم.
ونحن اليوم، برغم صخب هذا العصر وتغيراته المتسارعة، وما يفرضه من مظاهر فارغة وتربية حديثة تفقد بوصلتها أحياناً، ما زلنا على نهج جدتي. نلجأ إلى ذلك الإرث العظيم من الطمأنينة كلما اشتدت محاولات الإقصاء والتهميش الصبياني حولنا. إننا لا ننكسر أمام رياح التعالي أو تبريرات الجهل، لأن في أعماقنا جذوراً رسختها امرأة عظيمة كانت ترى في القرآن شفاءً وفي الرضا غاية. سنظل نمشي بخطى ثابتة نحو النور، نكتب، ونربِي أبناءنا على ذات القيم، غير آبهين بضجيج القشور، لأن من تربى على مائدة الصبر والقرآن، لا يضيره أثراً تتركه عواصف الظلال العابرة.
وكأن تلك الإذاعة القديمة التي كانت تنبعث بآيات الذكر الحكيم من مكة المكرمة، لم تكن مجرد صوت يملأ أركان البيت، بل كانت "خيمياء" ربانية تصقل قلوبنا بصمت، وتُعلّمنا أن الثبات الحقيقي لا يأتي من تصفيق الآخرين ولا من امتلاك المظاهر الزائفة، بل من اليقين المطلق بأن الله يرى ويعوض. وحين تتذكر تلك الوصية الخالدة: "لا تنظر للهالك كيف هلك، وانظر للناجي كيف نجى"، تدرك أن الصراع مع صغار العقول والتنمر السطحي لا يُقابل إلا بالترفّع والتجاوز.
فلتسقط كل معايير "البرجوازية المدرسية" وهواجس البيوت التي تُقيم البشر بالألقاب والمناصب؛ لأن من تشرّب روح تلك التربية الأصيلة، وجلس يوماً في حضن جدة تزرع في روحه آيات الصبر والرضا، يمتلك درعاً حصيناً لا تخترقه سهام الحقد العابرة. نحن يا ابنتي ما زلنا على ذات النهج، لا تحنينا ريح الجهل، ولا تُوقف مسيرتنا أحكام العابثين بالظل؛ فمن عرف طريق النور، ومضى في ركاب الناجين، لا يلتفت أبداً للوراء ليحاسب من أعمته القشور عن جوهر الحياة.
وحين تتسع دائرة الوفاء في الذاكرة، ويغمر الروح حنينٌ لا مسكن له إلا الاستذكار العذب، تتجلى أمام الأعين تلك الأم العظيمة -رحمها الله- التي أتمت المسير، فكانت استمرارية طاهرة لذات النبع الصافي الذي نهلنا منه عند الجدة. لم تكن تربيتها مجرد أوامر ونواهٍ عابرة، بل كانت مدرسةً في التجلد والرفعة، امرأةً واجهت تقلبات الأيام بصبرٍ نافذ وسترٍ نبيل. كانت تعلمنا أن الكرامة الحقيقية هي التي تُصان بالصمت حين يُثرثر الآخرون، وأن السمو النفسي لا يُشترى بالمظاهر المستعارة بل يُكتسب بطهارة القصد ونقاء السريرة. وحين كانت تشتد نوائب الحياة، كانت تتخذ من التوكل على الله درعاً، ومن الرضا بقسمته طمأنينة تسري في أرجاء البيت، لتعلمنا أن القوة ليست بالصراخ ولا بفرض السيطرة الوهمية، بل بالثبات على المبدأ مهما ضاقت الحلقات أو تالبت أصوات الجهل.
وإلى جانبها، كانت تلك الخالة الحبيبة -رحمها الله-، الوجه الآخر للرحمة والسكينة، التي لطالما عبقت سيرتها في وجداننا بالأدب الجم، والقلب الذي يتسع لآلام الصغار والكبار على حد سواء. كانت خالتي مدرسةً ناطقة بالحنان الحكيم؛ ففي جلستها طمأنينة تشبه نسيم المطر، وفي كلماتها حكمة خفية تلم شتات الخواطر وتُعلِّمنا أن الطيبين هم الأبقى أثراً والأعظم قدراً، مهما حاول العابثون تقليص مساحات الضوء حولهم. كانت تعلمني أن نبل المعشر وترفع النفس عن سفاسف الأمور هو التاج الحقيقي للإنسان، وأن من ينشأ في بيوتٍ أصلها ثابت وفرعها في السماء، لا يمكن أن تهزه ريح طفوليّة عابرة أو إساءة صادرة عن بيوتٍ فرغت من جوهر التربية وامتلأت بالقشور.
إننا يا ابنتي، حين ننظر إلى هذا الإرث العظيم المتوارث من جدتي، مروراً بأمنا العظيمة، ووصولاً إلى خالتنا الغالية، ندرك تماماً سر هذا الصمود. نحن لسنا أبناء صدفة ولا منتجات لتربية حديثة تهتز مع أول هبة ريح أو تنمر صبياني؛ بل نحن امتداد لدوحة من القيم العالية والأصالة التي لا تذبل. سنظل نكتب، ونربي، ونرتفع فوق كل مستنقعات القيل والقال، حاملين في أعناقنا أمانة النور الذي ورثناه، غير آبهين بظلال العابثين، لأن من عاش في كنف هؤلاء العظيمات، يعلم يقيناً أن الأشجار المثمرة لا تزيدها الحجارة إلا شموخاً وثمراً طيباً.وإذا أردنا أن نضع النقطة الأخيرة في هذه الملحمة الفكرية، وجب أن نوجه رسالة واضحة لا لبس فيها إلى "التربية الحديثة" بشقيها المفرط والمتفلّت: إن ما أنبتموه من أجيال تتباهى بالإلغاء والإقصاء، وتظن أن حرية الطفل هي رخصة لتدنيس مساحات الآخرين، هو بناءٌ هش من زجاج ينهار أمام أول هبة ريح من الأصالة الحقيقية.
شتان بين تربية تُعنى بصنع "إمبراطور من ورق" يرتجف خوفاً من اختلاف الآخر، وتربية كتربيتنا القديمة التي صقلت معادننا على الصبر الجميل، ورسخت في أعماقنا أن الاحترام هو التاج الحقيقي، وأن الترفع عن صغائر الأمور هو شيم الكبار. التربية العميقة لا تفرخ طغاة صغاراً يحصون سكنات الناس ومواقعهم، بل تُنبت أرواحاً تطمئن بذكر الله، وتدرك أن من حاد عن طريق النور وهلك في مستنقع المظاهر، لا يستحق التفاتةً واحدة.
ظلوا في برجوازيتكم الوهمية وممالككم المصنوعة من القشور، أما نحن، فسنظل نمشي على خطى أولئك العظيمات: نُزهر رغم الحجارة، ونكتب بمداد الطهارة، ونربي أبناءنا على أن النجاة الحقيقية تكمن في نقاء السريرة لا في زيف المظاهر
إذا جارَ الزمانُ بلا عُقولِ ... ورأيتَ القشورَ بلا أُصولِ
فلا تحفلْ بمن ضلَّ السبيلا ... وظنَّ المجدَ في زيفِ الفصولِ
لنا في ذاكرةِ الأجدادِ نهجٌ ... يضيءُ الدربَ كالصبحِ الجميلِ
تلوحُ وصيةُ الجدّاتِ نوراً ... إذا ما ليلُ أهوائٍ يطولِ:
"ولا تنظرْ لهالكٍ كيف هلكْ ... وانظرْ للناجي كيفَ نجى ومن نالَ القبولْ"
سنمضي فوقَ أشواكِ الخطايا ... كطودٍ شامخٍ لا يستحيلْ
نُزهرُ رغمَ أحجارِ العبثِ ... ونبقى في ذرى العزِّ الأصيلْ.
