
إن أعظم ما يَشغل العاقل في هذه الدنيا، ويُقلق ليلَه ويُحرك نهارَه، هو مصيره ومآله يوم يلقى الله عز وجل. الحياة دقيقة، والأيام تطوي صفحاتها سراباً، وما من أحد يدري متى ترتحل روحه عن جسده. من هنا جاء النداء الإلهي العظيم، الرباني الخالد، الذي يُعدّ بوصلة الحياة ومنهج النجاة، في قوله تعالى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) [الحجر: 99].
1. ما هو "اليقين" في الآية الكريمة؟
اختلف المفسرون في المراد باليقين هنا، وأجمل ما قيل وأجمِع عليه أن المقصود به هو "الموت"؛ سُمّي اليقين يقیناً لأنه أمر قطعي لا شك فيه، ولا مفر منه لأي مخلوق. كل ما عدا الموت شك، وهو الحقيقة الوحيدة التي يوقن بها الجميع حين تنكشف الغطاء وتُعاين الملائكة. يأمرنا الله عز وجل ألا ننقطع عن عبادته وطاعته، وألا نجعل لنهاية الأجل حداً نتوقف فيه عن التقرب إليه، بل نظل على العهد حتى يدركنا الموت ونحن ساجدون طائعون ذاكرون.
2. الاستمرارية.. سر القبول والبركة
كثيراً ما يبدأ الإنسان طريق الطاعة بحماس شديد، ثم تصيبه الفتور والكسل، فيقعده التسويف ويقول: "سأتوب غداً"، أو "سأصلح ما بيني وبين ربي عندما أتقدم في السن". لكن الآية الكريمة تقطع طريق التسويف؛ فليس هناك وقت مستقطع في جدول العبودية لله. العبادة ليست موسماً مؤقتاً، ولا عبادة شهر رمضان فحسب، ولا طاعة يوم الجمعة فقط؛ بل هي نبض حياة ونَفَس مستمر (حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ).
إن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّت؛ فركيعات صامتة في جوف الليل، واستغفار خفيّ مع كل نفس، وابتسامة صدقة، وكلمة طيبة تُلقى في وجه مكروب، متى ما استمر عليها العبد، أثقلت ميزانه عند لقاء ربه.
3. رسالة لكل غافل ومفرط
يا من ألهاه التکاثر، ويا من غره شبابُه وصحته، ويا من أتعبه الركض وراء سراب الدنيا الفانية: قِف مع نفسك وقفة صادقة. هل ضمنت أن تطرف عينك المرة القادمة؟ هل أخذت عهداً من الزمن ألا يفجأك الأجل بغتة؟
إن الموت لا يُستأذن، ولا يعترف بعمر صغير ولا كبير. ووالله إن الحسرة كل الحسرة أن يقف الإنسان يوم القيامة وقد فرّط في جنة عرضها السماوات والأرض. لكن باب التوبة ممدود، ورحمة الله أوسع من ذنوب العباد أجمعين. ما دامت في صدرك روح تنبض، فاعلم أن الله يحب توبتك، وينتظر إقبالك.
4. كيف نعيش هذه الآية في حياتنا اليومية؟
• تجديد النية: اجعل كل حركة في يومك عبادة؛ فعملك في بيتك، ورعايتك لمن تحب، وسعيك في نفع الناس، ونشرك للخير والعلم، كلها تتحول بطهارة النية إلى طاعات تقربك إلى الله.
• إصلاح السرائر: كما تهتم بما يراه الناس منك، اهتم بما يراه الله في قلبك؛ فالقلب السليم المخبت لله هو زاد الآخرة الحقيقي.
• إدمان الاستغفار والذكر: لتكن لسانك رطبة بذكر الله، فإذا فجأك الموت وأنت ذاكر شاكر، كنت من الفائزين الآمنين.
تخيلِ تلك اللحظة.. اللحظة التي يختلط فيها صدى أصواتنا بنداءات الوداع الأخيرة. اللحظة التي يُغلق فيها باب التوبة، وتُطوى الصحف، وينقطع العمل، ولا يبقى للإنسان إلا ما قدمت يداه. ألا يرجف قلبكِ حين تذكرين هول ذلك المطلع؟ كيف سيكون حالنا حين يُحمل الجسد على الأعناق، ويُترك في تلك الحفرة المظلمة الضيقة، وحيداً بلا أصحاب، بلا مال، بلا إنجازات دنيوية.. وحدكِ مع أعمالكِ، في ظلمة لا ينيرها إلا نور طاعة، أو توحشها ظلمة المعصية؟
إن الموت لا يستأذن أحداً، ولا يعترف بصغير ولا كبير، ولا يمهل أحداً ليتوب غداً أو بعد غد. كم من صحيح مات في أوج شبابه بلا علة ولا مرض، وكم من آمل أمل الدنيا فخطفه هازم اللذات بغتة. إنها لسكرة عظيمة، وغمرة مُفزعة حين تنكشف الحجب، ويُقال للروح اخرجي إلى لقاء الله.. أراجية أنتِ لرحمته، أم خائفة من تقصيرك وغفلتك؟
والله إن الخوف الحقيقي ليس من الموت كفناء، بل من سوء المنقلب، ومن حسرة يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. كيف ينام من لا يدري أراضٍ عنه ربه أم غاضب؟ كيف يغفل من هو في كل ثانية يقترب خطوة نحو قبره، ونحو العرض الأكبر على الجبار جل جلاله؟ الدنيا يا أماني سراب زائل، وكل ما فيها إلى فناء، وما النعيم الحقيقي إلا في السجود بين يدي الملك، في خلوة لا يراكِ فيها أحد إلا وهو أرحم بكِ من أمك التي ولادتك.
قومي الآن.. وقبل أن ترتطم الروح بالتراقي، وققبل أن تقول النفس: (رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ). عودي إلى ربك عودة صادقة تزلزل أركان قلبك، تذللي بين يديه، اسكبي الدمعات في السحر، واجعلي من كل عمل بسيط مخلصاً خالصاً حبل نجاة لكِ يوم لا جار ولا شفيع. استمرّي في عبادته، واجعلي حياتك كلها لرضاه، حتى يأتيكِ اليقين، وأنتِ ساجدة، طائعة، آمنة، مطمئنة برحمة أرحم الراحمين.
خاتمة:
يا أخي ويا أختي، العمر رحلة قصيرة، والمحطة الأخيرة إما إلى جنة نعيم أو إلى حسرة لا تنقضي. لا تقنط من رحمة الله مهما عظمت ذنوبك، ولا تستصغر أي عمل صالح تقدمه. عُد إلى ربك اليوم، واجعل لسانك وقلبك معلقين به، واسأله حسن الخاتمة والثبات حتى تلقاه وهو راضٍ عنك.
اللهم إنا نسألك التوبة النصوح، والثبات على الحق، وحسن الخاتمة، وألا تقبض أرواحنا إلا وأنت راضٍ عنا، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. آمين.