الوقوف على حافه التراب








 سیمفونية التراب والأبدية: رحلة العابر الذي أدرك المعنى

في مدينة تعج بالصاخبين، حيث الأضواء تلتهم الظلال، والأنفاس تتسابق خلف أوهام السراب، كان «عمر» يسير بخطى مثقلة بهمومٍ صنعها بنفسه. رأى الدنيا بعين العظمة المزيفة؛ يغره المنصب اللامع، وتخدعه الألقاب الرنانة، ويظن أن كرسيّه ووجاهته هما الحصن الذي لا يُمهد للسقوط. كان يركض خلف حطامٍ زائل، ناسياً أو متناسياً أن الساعات تطوي أيامه طي الأديم، وأن الموت ليس سوى حقيقة كبرى يغلق الناس أبواب عقولهم دونها.

لكن، وبينما كانت عجلة الحياة تدور بلا توقف، حدث أمر غيّر مجرى إدراكه للأشياء؛ كأن شاشةً خفيةً رفعت عن بصيرته، وبدأ يرى الحكاية من نهايتها لا من بدايتها، وكأنما خاض رحلةً فلسفيةً في ملكوت الغيب والشهادة.

الفصل الأول: زوال الألقاب ومسرح العبث

تخيل عمر نفسه في ذلك اليوم الموعود.. يوم لا ينفع مال ولا بنون. أدرك فجأة بوضوح قاطع أن لحظة مغادرته لهذه الدنيا ستكون أبسط وأقسى مما كان يتخيل؛ فلن يُغنيه نسبه، ولن يحميه منصبه، ولن تشفع له شهرته العريضة التي أمضى عمره ينسج خيوطها.  

تصوّر كيف سيناديه الأحياء حين يلفظ أنفاسه الأخيرة؛ فلن يقولوا: "لقد مات عمر، الإنسان المفكر، أو المدير الفلاني"، بل سيتحول إلى كلمة مجردة: "الجثة". وحين يحملونه إلى مصلاهم، لن ينادوه باسمه المحبوب، بل سيصيح منادي الجماعة: "أحضروا الجنازة". وحين يقفون على حفرة القبر، لن يذكروا مآثره الشخصية، بل سيتناهى إلى سمعه صوت الدقائق الأخيرة وهم يقولون بلا مبالاة: "قربوا الميت"!  

أين ستذهب حقيبته الفاخرة، ومفاتيحه، وأحذيته الأنيقة، وملابسه التي تعبت في اختيارها؟ كلها ستُجمع في ركنٍ مهمل؛ إما أن يُتخلص منها كنفايات فانية، أو تُترك لورثةٍ يتنازعونها بحلالها وحرامها، بينما هو الرهين الوحيد في قفص الحساب الأكبر.  

تأمل كيف أن العالم لن يتوقف دقيقةً واحدةً لأجله؛ ستستمر البورصة في الارتفاع والانخفاض، وستدور عجلة الاقتصاد، وسيأتي موظفٌ آخر ليجلس على كرسيه ويؤدي مهامه وكأن عمر لم يكن يوماً هنا، بينما هو وحده الذي سيسأل عن كل نقير وقطمير.  

الفصل الثاني: المحطة الأخيرة والزائر الذي لا يُرد

في تلك الرؤيا الفنتازية العميقة، رأى عمر مشهد تشييعه؛ سيأتي الكثيرون ليمشوا في جنازته، ربما يترك بعضهم أشغالهم ومواعيدهم الطارئة ليحضروا الدفن، والكثير منهم لم يفكر يوماً بنصيحةٍ أسداها لهم أو بسلامٍ ألقاه عليهم. لكنهم، وبمجرد أن يهيلوا التراب فوقه، سيبدأ التراجع التدريجي نحو النسيان.  

قسّم الحزن في عالمهم إلى دوائر متتالية:

• أما الناس الذين عرفوه سطحياً، فسيقولون بكلمة عابرة يملؤها الأسف المؤقت: "مسكين.. لقد كان هنا بالأمس"، ثم يمضون في لهوهم.  

• وأما أصدقاؤه الخلصاء، فسيحزنون ساعاتٍ أو أياماً معدودة، ثم تبتلعهم صغائر الحياة ويعودون إلى مجالس ضحكهم وسمرهم كأن شيئاً لم يكن.  

• وأما أهله وبيتُه العميق، فسيحزنون أسبوعاً، أسبوعين، شهراً أو شهرين، وربما تمتد لعام كامل من الدموع واللوعة، وبعدها.. سيضعونه بكل رقة في "أرشيف الذكريات"، وتعود زوايا البيت لتنبض بالحياة دونه.  

سيدخلون به إلى مسكنه الجديد الحقيقي.. إلى القبر؛ تلك الغرفة المظلمة التي لا تضيئها شاشات الهواتف ولا تزيح وحشتها ألقاب الدنيا. لن يهمه حينها أن جسده سيبلى ويصبح رميمًا، فالمسلمون سيقومون باللازم: تجريد الثياب، الغسل، التكفين، والإخراج من البيت إلى الحفرة الباردة. لكن السؤال الذي مزّق روحه في تلك اللحظة الفلسفية الملهمة: ماذا أعددت لقبرك وأخرتك من الآن؟  

الفصل الثالث: اليقظة الكبرى وصناعة النجاة

فضّ عمر غشاوة الغفلة عن عينيه، وصرخ في سريرته قائلاً: "إن قصتي الحقيقية لم تبدأ بين الناس، بل هي تبدأ الآن.. في اللحظة التي أدرك فيها أنني ميتٌ قادم، فماذا أنا طاهٍ لغدي؟"

لقد أدرك أن الحزن الحق ليس على جاه يضيع، بل على عمر نفد في غير طاعة الله. ومن هنا، رسم لنفسه خارطة طريق نحو النجاة الأبدية، متسلحاً بأنوار الوحي ومجاهدة النفس:

1. الفرائض العظمى: جعلها الركيزة التي لا تميد، والعمود الذي يمسك روح الأرض بالسماء، فلا تفريط في صلاةٍ ولا تقصير في حقٍ لرب العالمين.  

2. النوافل الدافئة: تقربٌ إضافي بالسنن والرواتب، ليثقل بها ميزانه يوم العرض العظيم.  

3. صدقة السر الخفية: أعمال خيرٍ لا يعلم بها إلا الله، تطفئ غضب السوء وتكون ظلاً في يوم لا ظل إلا ظله.  

4. العمل الصالح النافع: غرس يدٍ طيبة في الأرض، تنفع عباد الله وتجري حسناتها في ميزانه حتى وهو في بطن التراب.  

5. قيام الليل: حين ينام الناس وتخفت الأصوات، كان يخلو بربه مناجياً مستغفراً، باكيًا خطايا مضت، وطامعاً برحمةٍ لا تبيد.  

6. الاستغفار المستمر: طهارة يومية للقلب، يمحو بها أدران الغفلة وينظف بها صحائفه قبل أن يرتج الستر.  

الخاتمة: رسالة من بين الحرف والتراب

عاش عمر بعد تلك الرؤيا إنسانًا آخر؛ لم يعد يلتفت إلى مديح زائف، ولا أزعجه جفاء حاسد، ولا أغراه منصب عابر. لقد أيقن أن الدنيا أهون من أن تباع فيها الجنة.

التفتّ إليك أنت أيها الحي الآن، يا من تقرأ هذه الكلمات وتتأمل بين السطور: اذكر بها غافلاً، ربما تكون توبته وهدايته على يدك وبسبب كلمةٍ طيبةٍ أللقيتها في أذنه بعد أمر الله، فتكون لك كنزاً يسبقك إلى دار القرار. تذكّر دائماً: حين يسقط اسمك من فوق لسان الأحياء، يجب أن يكون قد ترّسخ في سجلات الملائكة المقربين بصلاح عملك وتقواك.

نقطه اخر السطر : 

حينما وضعت العود على وجهه امي كل العبارات والكلمات انتهت 

إرسال تعليق

أحدث أقدم