في وادي الأجراس الساكنة، حيث يولد الضوء من احتكاك بتلات الزجاج ببرودة الفجر، كان ليام يقف عند حافة الهاوية المعلقة، ممسكاً بخيوط من صدى قديم لم يكتمل. لم تكن الموسيقى في هذا العالم مجرد صوت، بل كانت نسيج المادة ذاتها؛ فالأشجار تنمو على إيقاع خفيض، والغيوم تتكاثف إذا همست الريح بنغمة حزينة، والقلوب لا تنبض إلا إذا لاقت ترنيمتها المفقودة في عتمة الذاكرة.
كانت المملكة العالية تُدعى أوريديل، مدينة بُنيت على أوتار عملاقة تشد السماء إلى قمم الجبال السبعة. يقال إن الآلهة القديمة تركت فيها قيثارة أثيرية، لا تُعزف بالأصابع بل بنبضات الروح وصدق الفقد. وكان ليام آخر "النساجين المنشدين"، أولئك الذين يحملون في حناجرهم صوتاً قادراً على إعادة ترميم الشقوق في جدار الوجود. لكن صوته كان قد شابه الصمت منذ ليلة انكسار "قمر البلور"، الليلة التي غابت فيها سيلين، حارسة الألحان الأولى، تاركة خلفها لحناً مبتوراً في صدر الليل.
سار ليام عبر الغابة الفضية، حيث تتساقط أوراق الشجر كحروف موسيقية مذهبة ترنّ كلما لامست الثرى. كان الهواء مشبعاً برائحة الخزامى البرية والندى الأزرق. انحنى نحو نبع الصدى، ووضع كفيه في مائه البارد، فرأى وجهها ينعكس عبر تموجات الماء المضيء. لم يكن يبحث عن خلود ولا عن مجد، بل كان يسعى لصياغة ترنيمة أخيرة تجمع شتات الأرواح التائهة في برزخ النسيان، ترنيمة قادرة على عبور عتبة الفناء.
"يا من تشدّ أوتار الغياب، إن الصدى لا يعود إلا لمن يجرؤ على إحراق صمته." همس النبع بصوت يشبه حفيف أجنحة طيور البجع.
أدرك ليام أن الرحلة إلى برج الأثير تتطلب التخلي عن خوفه الأكبر: أن يعترف بأن الجرح نفسه هو منبع النغم. صعد الأدراج الحلزونية المنحوتة في قلب الجبل، وكانت الريح تعوي حوله كنغمات تشيلو حزينة تلامس شغاف الروح. في كل خطوة، كان يترك خلفه ذكرى مريرة؛ تحررت مخاوفه لتتحول إلى فراشات من نار زرقاء تضيء له عتمة الممر الصاعد نحو النجوم.
عندما وصل إلى قمة البرج، انفتحت أمامه قبة السماء المرصعة بالسدم البنفسجية، وظهرت أمامه الأوتار الكونية ممتدة عبر الفضاء اللانهائي. أغمض عينيه، ووضع يده على موضع قلبه، ثم أطلق صوته في الفضاء للمرة الأولى منذ دهر.
خرج صوته دافئاً، عميقاً، ينساب كترنيمة مقدسة لا تنتمي إلى لغة البشر، بل إلى لغة الضوء الأولى. غنى للغرباء الذين أنهكهم السفر، للقلوب التي تكسرت تحت وطأة الكتمان، وللأرواح التي تنتظر لمسة أمل عند منعطفات القدر. ومع كل طبقة صوتية تصعد نحو الفضاء، كانت الأوتار الكونية تهتز مجيبة نداءه، فتفتحت في السماء أزهار من الشهب الساطعة، والتأم صدع الأفق بنور ذهبي غامر.
في تلك اللحظة بالذات، ومن قلب الضياء المنسكب، انبثق طيف سيلين، تبتسم له بملامح يغمرها السلام الأبدي. وضعت كفها على كفه، وأكملت معه النغمة الختامية للترنيمة، ليعود التوازن إلى الكون، ويسكن الأنين القديم في صدر الأرض. لم يمت الصوت بعد انتهاء اللحن، بل تحول إلى ريح لطيفة تهب على كل قلب متعب، لتذكره بأن في أعماق كل حزن نغمة مقدسة تنتظر فقط من يطلق سراحها.
