حين أعلنت "روبلوكس" رسمياً عن اتخاذ الرياض مقراً إقليمياً لها، لم يكن الخبر مجرد رقم في سجل الاستثمار الضخم، ولا مجرد صفقة تقنية عابرة تضاف إلى قائمة إنجازات العاصمة.. بل كان دقّاً ناعماً لناقوس خطرٍ يتسلل على أطراف أصابعه. وفي الوقت الذي تتهبّأ فيه الرياض لتستقبل "موسم الرياض" بصخبه، وأضوائه، وبهجته التي تملأ الأفق، هناك موسمٌ خفيّ آخر يُقام بصمتٍ مطبق داخل غرف أطفالنا المغلقة، موسمٌ عنوانه الأبرز والمرعب: "تعفن الدماغ الرقمي" (Brain Rot).
أولاً: أطفال المكعبات.. حطابو الدوبامين السريع
نحن أمام جيلٍ وُلد وفي فمه ملعقة من "بيكسل". جيلٌ لا يقرأ العالم بالكلمات المطبوعة، ولا يتهجى الحروف على صفحة بيضاء، بل يفكك الوجود ويجمعه كقطع "LEGO" افتراضية صماء. لقد أدمن أطفالنا هذه العوالم لدرجة أن أدمغتهم، التي صُممت فطرياً لتتأمل تعقيدات الطبيعة وبطء الزمن الجميل، تحولت إلى مخابز رقمية لإنتاج "الدوبامين السريع".
يقضون الساعات الطوال تائهين في مربعات "روبلوكس"، يهربون من صرامة الواقع إلى هشاشة الخيال الافتراضي، حتى غدت أدمغتهم تتغذى على طاقة "التشتت المزمن". والطامة الكبرى لا تكمن في اللعبة ذاتها، بل في حالتنا نحن.. نحن الآباء الممزقين على عتبات هذا العصر:
• فريقٌ يصفق لهذا "القيمزر" بحماس أعمى، متوهماً أنه يربي عباقرة تكنولوجيا المستقبل ومهندسي الأكواد.
• وفريقٌ آخر يقف على الشاطئ الآخر، يحنّ بمرارة إلى تفوق المدرسة التقليدية، وهندسة الواقع الصلب، والشهادات التي تُقاس بثقلها وقيمتها الحقيقية.
ثانياً: شيزوفرينيا جيلين.. أين ضاعت الهوية؟
أكتب إليكم هذه الكلمات وعقلي يكاد ينشطر بين جيلين مختلفين جذرياً، كأنهما يعانقان كوكبين لا يلتقيان!
نحن.. جيلُ الأمس، الذي وُلد على رائحة الكتب المبللة بمطر الشتاء، وكان حبر القلم على أصابعنا وسام شرف لا يُمحى. بالنسبة لنا، كانت الدراسة هي "البوصلة الأحادية" التي لا تخطئ طريقها نحو المجد والنجاح، وكان الإنسان يُقاس بما يحفظه، وبما يبنيه بيده في العالم الحقيقي، وبأصالة انتمائه.
أما هم.. جيل الأبناء، فينظرون إلينا بذهول، كأننا قادمون من عصر الديناصورات أو مغارات التاريخ السحيق. بالنسبة لهم، صدارة اللعبة، وتأسيس القنوات، وبثوث الـ "Streaming"، وبناء الإمبراطوريات الافتراضية، هي الطرق الملكية الوحيدة نحو "أعلى المناصب" والجاه والثراء. إنهم يؤمنون بيقينٍ مرعب أن المستقبل لمن يحترف العوالم الافتراضية، لا لمن يحفظ جداول الضرب أو متون العلم الكلاسيكي.
ثالثاً: هل مسختنا الخوارزميات؟
هنا يتسلل السؤال الأكثر قسوة ووجعاً: هل أثرت فينا الأجهزة، والتطور المتسارع، وجنون الذكاء الاصطناعي.. لدرجة أننا فقدنا وجوهنا؟
لم تعد الهوية تلك الملامح الأصيلة المتوارثة من أجدادنا، بل أصبحت "خوارزمية" تُعاد برمجتها وتوجيهها مع كل شروق شمس. لقد تسرّب التطوير التقني إلى أعماق أرواحنا حتى مسح تلك الطمأنينة القديمة التي كنا ننام عليها. أصبحنا نتنفس بـ "الـ Wi-Fi"، ونفكر ببطء العصر الغابر بينما العالم من حولنا يركض بسرعة الضوء. نحن لا نراقب أطفالنا يبتعدون في عوالمهم الافتراضية فحسب، بل نراقب أنفسنا ونحن نتمزق على حافة مستقبل لا ننتمي إليه بشيء، وماضٍ جميل لم يعد يسعنا أو يحمينا.
خاتمة.. صرخة على أطراف العاصمة:
الرياض اليوم تتسع لكل شيء.. للمهرجانات الكبرى، للمقرات العالمية العملاقة، ولمستقبل رقمي يطرق الأبواب بلا إستئذان. لكن السؤال الأخير الذي يصرخ في وجه كل أب وأم، وفي وجه هذا المخاض الفكري العنيف: بينما نحن نؤسس لكل هذه العظمة العمرانية والاقتصادية.. من سيقود عقول أطفالنا قبل أن تبتلعهم شاشات "روبلوكس" وتتركنا أسرى لهيكل بلا روح؟
همسة:
إن الشاشات قد تسرق أطفالنا في عوالم من ألوان وأكواد، وقد يعبرون الفضوات بحثاً عن مجد وهمي في "روبلوكس"، لكنهم في النهاية سيعودون حتماً إلى حيث ينتمي الدفء الحقيقي. فالأجهزة تبرمج الألعاب، وحدها الأرواح الحية قادرة على تهذيب العقول.. ولن يضيع جيلٌ خلفه قلوبٌ تحترق عشقاً لحمايته، ووعيٌ يعرف كيف يعيد توجيه بوصلته نحو الحقيقة.
