من أعالي الجبل المكلل بالضباب، انحدر جدول صغير رشيق كشريط من بلور ذائب، يفيض نشاطاً ومرحاً مع أولى خيوط الفجر الذهبية. كان يركض بين الصخور العتيقة، يقفز فوق المنحدرات كغزال فتي، ويملأ الوادي بضحكاته الرنانة وهو يداعب الحصى الملون في قاعه، فتدور الحبيبات وتتلألأ تحت شمس الظهيرة كأنها جواهر منثورة في ماء زلال.
لم يترك الجدول بقعة في طريقه إلا وترك فيها بصمة حياة وندى؛ انحنى ليقبل جذور شجيرات الورد الجبلي، وسكب من مائه العذب في أفواه الزهور العطشة المصطفة على حوافه، فرقصت بتلاتها الحمراء والصفراء امتناناً لفيضه. تسابقت معه اليعاسيب ذات الأجنحة الشفافة، وتمايلت عيدان القصب مع هبات النسيم التي يثيرها جريه السريع، معلنةً أن النهار قد امتلأ حركة وعطاءً لا ينقطع.
ومع انكسار حدة الشمس وانسحابها الهادئ نحو الأفق الغربي، بدأت خيوط الشفق القرمزي ترتسم على وجه الماء المتدفق. شعر الجدول الصغير بتعب لذيذ يسري في مجراه؛ فقد ركض طويلاً، وسقى كثيراً، وأبهج كل من مر به من كائنات الغابة. تباطأت خطواته المتدفقة، وهدأ صخبه العالي، وتلاشت فقاعاته الفضية شيئاً فشيئاً حتى وصل إلى منبسط فسيح تحرسه أشجار الصفصاف العتيقة بأغصانها الطويلة المنسدلة كستائر من حرير أخضر داكن.
استلقى الجدول في ظلال الصفصاف الوارفة، مفرغاً حمله من تعب النهار، وأخذ يتهادى في جريانه بنعومة فائقة وصوت خافت شجي، كأنه يعزف لحناً رتيباً منساباً من أعماق الأرض. تحولت حركته إلى ترنيمة نوم دافئة تطمئن كل حي في الوادي بأن وقت الراحة قد حان.
أنصتت الأسماك الصغيرة في قاعه إلى ذلك اللحن الرخيم، فاستكانت بين تجاويف الصخور الملساء وتحت أوراق زنابق الماء العريضة، وأغلقت أعينها في هدوء تام. انحنت الأعشاب الندية على الضفاف، ووضعت رؤوسها الخضراء فوق كتف الماء الجاري، مستسلمة للنوم بعد طول تمايل. حتى الطيور التي كانت تغرد على فروع الأشجار أوت إلى أعشاشها ودفنت مناقيرها تحت ريشها الناعم، متجاوبة مع إيقاع النهر الهادئ.
انسدل الليل رداءه الأزرق المرصع بالنجوم، وانعكس وجه القمر الفضي فوق صفحة النهر المستكين كمرآة صافية. ظل النهر الناعس يهمس بترنيمته العذبة، حارساً نوم الغابة وسكينة الوادي، ومؤكداً لكل كائن تعب من السعي أن السكون نعمة، وأن الغد يحمل في طياته فجراً جديداً ومجرى متجدداً من العطاء والنقاء.
تلاقت خيوط الظلام مع تموجات الماء الهادئ، فأصبح مجرى النهر كطريق من لؤلؤ مذاب يمتد في قلب الغابة الصامتة. لم يعد هناك صوت يعلو فوق همس جريانه الوديع؛ فحتى الرياح التي كانت تعصف بين قمم الأشجار تحولت إلى نسائم عليلة تلامس وجنة الماء برقة متناهية، كأنها تخشى أن توقظ ذلك النهر الذي بذل كل قطرة من طاقته ليروي الحياة طوال النهار.
وفي عمق القاع الرملي الناعم، كانت حبّات الحصى تستريح في مواضعها بعد يوم حافل بالدوران والمرح، بينما التفت خيوط الطحالب الحريرية حول الصخور كأغطية خضراء دافئة، لتصنع ملاذاً آمناً للمخلوقات الصغيرة التي أرهقها السباحة ضد التيار. كانت كل قطرة ماء تتحرك ببطء محسوب، كأنها تحسب خطواتها كي لا تفسد لحن السكينة الذي لفّ المكان بأسره.
مرّ غزال فتي بجانب الضفة بخطوات حذرة، خافضاً رأسه ليشرب جرعة أخيرة قبل أن يأوي إلى مكمنه بين الشجيرات الكثيفة. لامست شفتاه وجه الماء البارد، فشعر بتلك الطمأنينة الغامرة تسري في جسده، ورفع عينيه نحو النهر كأنه يشكره على هذا العطاء الذي لا ينضب، ثم استدار ومضى ليغفو في أمان الغابة المحروسة بصوت الماء.
هكذا ظل النهر يتدفق في نومه، يجمع في جوفه أسرار المساء وأحلام الكائنات الغافية على جنباته. لم يكن توقفه عن الركض ضعفاً، بل حكمة فطرية تدرك أن لكل عطاء نهاية، ولكل سعي مستمر وقفة صمت واستجماع للقوى، حتى إذا ما تنفس الصبح وانشق الفجر عن ضيائه الأول، عاد الجدول من جديد نهراً حياً يفيض بالأمل، وينثر الحياة في كل وادٍ وممر.
