في غرفة عتيقة تطل على وادٍ يعصف فيه المطر الكوني، جلست "إيلارا" تُطرز بساطاً من حرير الليل الأزرق. كانت خيوطها ترتجف كنبض شمعة تقاوم الريح، وكلما غرزت إبرتها الفضية في القماش، تشكلت ملامح عينٍ كأنها نافذة على ما خفي في الصدور. لم تكن تطرز زينة، بل كانت تعقد عهداً مع النور لتبديد ظلال الماضي التي حاصرت قلبها طويلاً.
وحين تراقص ضوء الشمعة الرفيق بجانبها، همست إيلارا بترنيمتها الشجية:
«يا خيطُ نَسجُكَ في الدّجى إيمانُ.. ما ضَرّ غَرسَكَ لو طَغى الطوفانُ
نَبني النّهارَ بِغَرزةٍ وَبِدَمعةٍ.. فَبِكُلّ صَبرٍ تُخلَقُ الأكوانُ»
عند الغرزة الأخيرة، انشق جدار الظلام وخرج ظلٌّ يشبهها في زمن انكسارها؛ لكنها لم تهرب، بل مدت يدها بنور اليقين، فامتد الخيط المضيء من القماش ليعانق الظل ويحيله إلى شعلة دافئة تبدد وحشة المكان.
• همسة أورياسيل: «ليس الذي يطاردك هو الماضي، بل النسخة التي تركتها منه.. قف بشجاعة وانسج نورك، فالسر يكمن في القلب الذي اختار أن يضيء.»
2. قصة من كتاب «سنا»: ترنيمة النور الهادئ والبدر الصغير
(مستوحاة من رحلة اكتمال الضياء ومناجاة القمر في سنا)
عند ضفة بحيرة الأثير الصافية، وقف الهلال الصغير خجولاً يرنو إلى البدر المكتمل المتوج في كبد السماء. كان الهلال يحزن لأن نوره نحيل، ولأن العابرين لا يرفعون رؤوسهم إلا إذا اكتمل الضياء. اقترب منه نسيم دافئ، ولمس حافته الفضية بحنان، مذكراً إياه بأن النور لا يُوهب قفزة واحدة، بل ينبت من صبر الليالي.
رفع الهلال طرفه نحو الأفق، ورتل ترنيمة التكوين الهادئة:
«يا سائرينَ إلى المَدى بِتَأنّي.. لا تَحسَبوا نَقصَ الضّياءِ بِهَونِ
فَالبَدرُ يَسبِقُهُ الصُّمودُ بِلَيلِهِ.. وَالنّورُ يُولَدُ مِن رَجاءِ الكَونِ»
مع ختام الترنيمة، هدأت أمواج البحيرة، وبدأ الهلال يسكب وهجاً زمردياً رقيقاً أدفأ مياهها الباردة. أدرك حينها أن جماله ليس في مسابقة التمام، بل في صدق رحلته وفي ذلك الأثر الصامت الذي يتركه في قلوب من ينتظرون الفجر.
• همسة سنا: «الضياء الحقيقي لا يولد دفعة واحدة ولا يحتاج إلى تصفيق.. كن صادقاً في طورك الحالي، فما دمت تتنفس، فثمة سنا في داخلك ينمو على مهل.»
