صفحتي خيمياء الروح: حكاية إنجازاتٍ صنعتني وسعيٍ علّمني كيف أولد من جديد


Home

 لم تبدأ حكايتي من أرضٍ ممهدة، ولم تكن الأبواب تفتح لي تلقائيًا بمجرد الوقوف أمامها. بدأت مثل كل الحالمين الذين لا يملكون سوى فكرة غضة، وشغف صادق، ويقين دفين بأن الإنسان قادر على نحت مساحته الخاصة في هذا العالم مهما تأخرت خطاه، ومهما تضاءلت إمكاناته في أعين المتربصين. كان في داخلي صوتٌ خافت يلحّ دائمًا بأن هناك شيئًا يريد أن يُخلق؛ لوحة تارة، فكرة أو كتاب تارة أخرى، ومشروعًا ينبض بالحياة في كل مرة. لم يكن الإبداع عندي مجرد نافذة للهروب، بل كان لغة الروح الأولى، والملاذ الذي أقول فيه ما تعجز عنه الأبجديات.

أول ضربة فرشاة… وأثرٌ لا يغيب

منذ سنوات طفولتي الأولى، كان الرسم هو نافذتي إلى الاتساع. أجد في الورقة البيضاء وطنًا لا يحكمه قيد؛ أضع أول خط، فإذا بالفكرة المجردة تتحول إلى كائن حي يتنفس أمامي. لم أكن أبحث عن الكمال الزائف، بل عن صدق اللحظة وسحر التحول.

وفي قلب تلك البدايات النقية، كان هناك طيفٌ ملهم لا يغيب؛ خالتي—رحمها الله وأسكنها فسيح جناته—تلك الفنانة التي لم تكن ترسم بالألوان فحسب، بل كانت تبث الحياة والدهشة في كل مساحة تعبرها. كانت أول من قرأ وميض الموهبة في عينيّ الصغيرتين، وأول من آمن بأن هذه اليد تحمل خيالًا يستحق أن يُطلق سراحه. علمتني دون أن تدري أن الفن ليس ترفًا، بل هو موقف من الحياة، وأن كلمة "أنتِ تستطيعين" قد تبني إنسانًا يواجه بها عواصف العمر.

رحلت خالتي، لكن أثرها ظل حيًا ونابضًا في كل مساحة إبداعية أخوضها. بقيت في جرأتي على التجربة، وفي يقيني بأن الشغف لا ينبغي أن يُدفن تحت ركام الأيام. كلما أمسكت بقلم أو صممت لوحة، أشعر أن تلك البذرة التي غرستها في روحي ما زالت تورق نورًا وأملًا.

من ريشة الرسم إلى مداد الكتب

لم يتوقف تدفق الأفكار عند حدود اللوحة؛ فاتسع الفن ليمتزج بالكلمات. بدأت أكتب لأن الحكايات كانت تسكنني، ثم تساءلت: لماذا لا أمنح هذه الرؤى أجنحة لتصل إلى العالم؟

وهكذا خضت غمار النشر وصناعة المحتوى الرقمي. لم يكن الطريق مفروشًا بالورد؛ كتبتُ، ومحوتُ، وأعدتُ الصياغة، وتعلمت التصميم، وفككت شفرات المنصات الرقمية بنفسي. أصدرت مؤلفاتي ومن بينها كتاب «سر السعادة»، الذي لم يكن مجرد صفحات مطبوعة، بل مساحة شعورية متكاملة تدمج بين القصة والتأمل واللعب، لتخاطب براءة الطفل وعمق الكبير معًا. لقد تحول الحلم الصامت إلى كيان ملموس، وعبرت الفكرة من شاشتي الصغيرة لتستقر في عقول وقلوب قراء بعيدين.

خيمياء الخذلان: حين تصبح العتمة ولادة جديدة

لكن الحياة، في دأبها المعتاد لاختبار صلابة الأرواح، لا تمنح النجاح دون ضريبة. من أقسى الحقائق التي واجهتها أن تبذل روحك، ووقتك، وطاقتك في مشروع تنتظر لحظة انطلاقه الكبرى، ثم يقابلك الصمت التام: لا صدى، لا مبيعات، ولا حتى التفاتة تشجيع.

عشت مرارة الخذلان بأقسى صوره؛ خذلني الانتظار الطويل، وخذلتني أيادٍ كنت أظنها سندًا، وخذلتني نتائج بدت ضئيلة أمام سيل الجهد المبذول. شعرت لوهلة أنني أركض وحيدة في مضمار موحش. كان ذلك كافيًا لإطفاء أي شعلة وجعل الريشة تجف، لولا أنني أدركت سر "الخيمياء" الروحية الحقيقية: ألا تدع الألم يحرقك، بل تستخدم ناره لتصهر روحك وتعيد تشكيلها بصلابة مضاعفة.

أيقنت أن الخذلان لم يكن دليل فشل، بل إشارة واضحة بأنني أطرق الباب الخطأ، وأن السعي الحقيقي لا يُقاس بتصفيق الجماهير المؤقت، بل بالبناء المتين الذي يتشكل في الداخل.

الإنجاز الحقيقي هو البناء الذاتي

اليوم، حين ألتفت إلى الوراء، لا أرى الكتب والمشاريع فقط، بل أرى الإنسانة التي صنعتها تلك التجارب. أرى امرأة تعلمت النشر، وأتقنت التصميم، وأدارت المنصات الرقمية، وطوّعت أدوات الذكاء الاصطناعي، وخاضت بحار التسويق وصناعة الأفكار من الصفر.

خرجت من كل عثرة بحصاد لا يُثمّن: الخبرة الصادقة، والجسارة على البدء من جديد دون خوف. ماذا لو كان الإنجاز الحقيقي ليس في عدد المبيعات أو أرقام المتابعين، بل في أنني لم أستسلم أبدًا؟ ماذا لو كان الانتصار الأكبر هو أنني لم أسمح للخذلان بأن يقتل الفنانة الكامنة في أعماقي؟

إن المحاولات التي بدت في حينها متعثرة لم تكن ضياعًا، بل كانت تدريبًا مكثفًا لصياغة النسخة الأقوى والأعمق مني. قد لا أكون وصلت إلى القمة النهائية بعد، لكنني حتمًا لم أعد تلك الواقفة في نقطة البداية.

سعيٌ لا ينتهي… وعوالم تنتظر الولادة

وسط هذا الضجيج كله، ظل الرسم بوصلتي الساكنة. كلما لوّنت، هدأ العالم من حولي، واستقرت الأفكار المضطربة في مواضعها الصحيحة. لذلك، لا أرى الرسم ذكرى تنتمي للماضي، بل ركيزة أساسية لمستقبلي؛ أدمجه بالكتابة والتصميم لابتكار عوالم دافئة، يدخلها الطفل فيجد خيالًا، ويتأملها الكبار فيجدون فكرة، ويراها المتعب فيستعيد شغفه للاستمرار.

أنا لا أكتب اليوم لأعلن الوصول، بل لأعلن استمرار السعي. الأشجار لا تثمر يوم غرسها، والكتب لا تكتمل في لحظة، والفنان الحقيقي لا يولد مكتملًا بل ينضج مع كل ضربة فرشاة وكل عثرة طريق.

إذا سُئلت عن إنجازي، سأقول: إنجازي أنني حاولت، وبنيت، وكتبت، ورسمت، وتعلمت من كل جرح ونهضت بعد كل انكسار دون أن أفقد نقائي. لن أكتب فصولي القادمة لأثبت شيئًا لأحد، بل وفاءً لتلك الروح المبدعة في داخلي، وتكريمًا لأثرٍ طيّب تركته خالتي، وإيمانًا بأن النور الذي يعرف سره لا بد أن يضيء مهما طال المسير. ما زلت أؤمن، وما زلت أسعى، وما زالت أجمل فصولي قيد الكتابة.



إرسال تعليق

أحدث أقدم