حارسه النجوم

 




في وادي إيثرين، ذلك الوادي المعلّق بين السماء والضباب، حيث تتشابك خيوط الغمام بأساطير الأولين، وحيث لا يفرّق أحد بين حافة الأرض وبداية الحلم، عاشت حارسة النجوم الشابة مارغريت.

كانت الوادي يتنفس حولها كأنه كائن حيّ عتيق: صخوره منحوتة بحكمة لا يقرؤها إلا الصبورون، وسماؤه معلّقة بنجوم تُغازل الضباب في صمتٍ مهيب. وكانت مارغريت، وحيدة بين هذا الاتساع، تقضي لياليها جالسة عند حافة الأفق، تحمل قيثارة من خيوط الفجر، خيوطٌ نُسجت -كما تقول الأسطورة- من أول ضوءٍ لامس الأرض منذ فجر الخليقة. هناك، عند تلك الحافة، كانت تنتظر هدايا الرياح الكونية بصبرٍ يوشك أن ينفد، لكنه لا ينفد أبداً.

كان حلمها الأبدي أن تهبط عليها بلورة “شمس الغسق” الأسطورية، تلك الجوهرة المتوهجة التي تفيض، بإذن الله، بضياء كامل لا تشوبه شائبة، عساها تروي بها عطش قريتها الدائم للدفء والسكينة. كانت تتخيلها كل ليلة: كرة من نور خالص تهبط بين راحتيها، فتُنهي بها زمناً طويلاً من البرد الذي ينهش عظام القرية كل شتاء.

رتّلت مارغريت دعاءها المألوف، بصوتٍ نديّ يرتفع إلى السماء كما يرتفع دخان البخور في ليلةٍ ساكنة، تسأل ربها أن يسوق إليها الفرج على أجنحة الريح:

«اللهم سُق إلينا برحمتك ما نشتهي.. وصُبّ المنى في كفوفِ الرجا»

وما إن استقر صداها في عُباب الفضاء، حتى هبّت عاصفة مباغتة رجّت أركان الوادي من أقصاه إلى أقصاه. تمزقت السحب الكثيفة كأنها ستارة مسرح تُسدل على غفلة، وسقط بين يديها حجرٌ داكن، رماديٌّ كرماد النيران المُطفأة، خشن الملمس، لا يملك بريق الأساطير ولا سحر الجواهر التي طال انتظارها.

انقبض قلبها في البداية، وتسللت إلى روحها خيبة أمل مُرّة كطعم الصبر حين يطول. كانت تتوقع نوراً ساطعاً يخترق العتمة، لا ظِلاً مطفأً يزيد الوادي برودة فوق برودته. أدارت الحجر بين كفيها المرتجفتين، وكادت دمعة أن تسبقها إلى الاعتراف بالهزيمة.

لكنها حين تأملت السماء العاصفة، ورأت النجوم تُطلّ من بين شقوق الغيم كأنها تُراقبها بصبرٍ أعمق من صبرها، تذكرت الحكمة العتيقة المنقوشة على صخور الوادي، تلك التي حفظتها منذ الطفولة دون أن تفهم عمقها إلا في تلك اللحظة تحديداً:

«الحياة ليست مدينةً لأحدٍ بما ينتظره، بل تهب ما تشاء.. والنجاة تكمن في عناق الحاضر، وشكر الخالق على ما دُفع من بلاء».

ضمّت الحجر الرمادي إلى صدرها بهدوءٍ محب، كأنها تحتضن طفلاً وُلد على غير الصورة التي تخيلتها، لكنه ابنها رغم كل شيء. وأطلقت ترنيمة الامتنان العميقة، بصوتٍ يرتجف أولاً ثم يشتد كلما تعمّقت في المعنى:

«نأخذُ ما جادَ الزمانُ بهِ.. ونحمدُ اللهَ على ما كفى

فكم من ظلامٍ أتى رحمةً.. وكم من عناءٍ توارى وعفا»

وحين لامست قطرات الامتنان الساخنة سطح الحجر البارد، بدأت التصدعات الرقيقة تتفتح في قلبه، واحدة تلو الأخرى، كأن الحجر كان ينتظر هذا الدفء بالذات ليُبيح سرّه. لم يكن الحجر رماداً ميتاً كما ظنّت، بل كان غلافاً خشناً يحمي بذرة بلورية حية، نائمة في انتظار يدٍ تعرف كيف تُوقظها لا بالقوة، بل بالامتنان.

ومع كل نغمة شكر صادقة، أذن الله أن ينبثق من داخل الحجر ضوء زمردي دافئ، شقّ ظلام الوادي الدامس شقّاً رقيقاً كأنه فجرٌ يُولد من رحم الليل، وأنبت حديقة واسعة من الأزهار المضيئة، أزهارٌ لم يرَ الوادي مثلها من قبل، تحمي قريتها من صقيع الشتاء القارس بدفءٍ تصنعه رحمة الله حين يلقى القلب الشاكر.

لم تعد الحديقة المضيئة مجرد درعٍ للوقاية، بل تحولت إلى واحة تنبض بالحياة، وكأن الأرض نفسها كانت تحتشد لتبادلها الوفاء بالوفاء. تفتحت الأزهار بظلالها الزمردية الفريدة، تنشر دفئاً حنوناً يعانق قلوب العابرين، ويهمس لكل روحٍ تائهة أن الرحمة أحياناً تأتي متنكرة في زيّ القسوة، وأن أصدق العطايا لا تُعرف من أول نظرة.

أدركت مارغريت، وهي تتأمل الحديقة تولد أمام عينيها، أن البلورة المتعالية التي كانت تحلم بها، ببريقها القاسي الجاهز، ما كانت لتخلق هذا الدفء الحميم. فالنور الذي يهبط جاهزاً لا يعرف معنى الانتظار، ولا يحمل في طياته أثر الأيدي التي احتضنته وهو بارد. بعض العطايا تأتي بملابس خشنة، حاملةً في طياتها بركة لا يدركها إلا من عرف قيمة الصبر، ولا يفكّ شيفرتها إلا قلبٌ اختار الشكر حين كان الجزع أسهل الطريقين.

جلست في تلك الليلة على حافة الأفق ذاته، وقيثارتها تعزف لحناً يمتزج فيه صوت الريح بأنفاس الزهر الجديد، لحناً لم تسمعه من قبل لأنه وُلد للتوّ من رحم التجربة. مالت برأسها نحو النجوم، وهمست بصوتٍ يشبه خريراً خفياً في عتمة الليل، وكأنها تُورّث الحكمة لكل طفلةٍ ستأتي بعدها إلى هذه الحافة نفسها تنتظر معجزتها الخاصة:

«لا تبحثي عن النور حيث يتلألأ الوهم يا صغيرتي.. ففي أقسى الحجارة قد تخبّئ رحمة الله أدفأ جنّات الأرض، وحدها القلوب الممتنة تُفتح لها الأبواب بإذنه».

وبقيت الحديقة الزمردية تتوهج خلفها، شاهدةً صامتة على أن كل حجرٍ رمادي يهبط في حياتنا، مهما بدا قاسياً، قد يكون بذرة نورٍ لم يحن أوانها همسة أخيرة:

ليس كل ما يهبط رماداً رمادٌ في حقيقته، وليس كل ما يتأخر حرماناً في باطنه. فبإذن الله وحده، تتحول الحجارة إلى حدائق، والانتظار إلى بركة، والدمعة الأولى إلى ترنيمة شكر لا تنتهي، لمن صبر ورضي.

“وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم”



إرسال تعليق

أحدث أقدم